محمد جمال الدين القاسمي

381

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 61 إلى 62 ] وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ( 61 ) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ ( 62 ) وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ أي بكفرهم ومعاصيهم التي منها ما عدد من المساوئ المتقدمة ما تَرَكَ عَلَيْها أي على الأرض المدلول عليها بالناس ، وبقوله تعالى : مِنْ دَابَّةٍ أي لأهلكها بالمرة بشؤم ظلم الظالمين وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أي وقت معين تقتضيه الحكمة . يستغفر منهم من يستغفر فيغفر له ، ويصرّ من يصرّ فيزداد عذابا فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ أي المسمي لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ أي ينسبون إليه ما يَكْرَهُونَ أي من البنات ومن الشركاء . وهم يأنفون من الأولى كما يكرهون مشاركة أحد لهم في مالهم . وهو تكرير لما سبق ، تثنية للتقريع وتوطئة لقوله تعالى : وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى أي يجعلون للّه ذلك ، مع دعواهم أن لهم العاقبة الحسنى عند اللّه ، إن كان ثم معاد . كما قصه تعالى عنهم بقوله وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى [ فصلت : 50 ] ، يعني جمع هؤلاء بين عمل السوء وتمنّي المحال ، بأن يجازوا على ذلك حسنا . وقد روي أنه وجد في أحد أحجار الكعبة ، لما جدّدت ، مكتوبا ( تعملون السّيّئات وتجزون الحسنات . أجل . كما يجتنى من الشوك العنب ) و أَنَّ لَهُمُ إلخ بدل من ( الكذب ) أو بتقدير بأن لهم . قال الشهاب : قوله تعالى : قوله وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ من بليغ الكلام وبديعه كقولهم : ( عينها تصف السحر ) أي ساحرة . وقدها يصف الهيف ، أي هيفاء . قال أبو العلاء المعرّى : سرى برق المعرّة بعد وهن * فبات برامة يصف الكلالا ثم ردّ كلامهم وأثبت ضده بقوله سبحانه لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ أي معجّلون إليها ومقدّمون . من ( الفرط ) وهو السابق إلى الورد . يقال : أفرطته في طلب الماء إذا قدمته . أو متروكون منسيّون في النار . من ( أفرطته ) بمعنى تركته